وزارات خدماتية شريكة في الفواتير المزوّرة… القضاء غائب والعلّية: هكذا تتمّ المحاسبة!

فيما تعصف باللبنانيين كارثة أمنية-انسانية-صحية، تتمادى الدولة بتجاهل واجبتها، بل أكثر من ذلك، فهي تشرّع أبوابًا إضافية من أبواب السرقة الموصوفة، بغطاء من الأسماء نفسها التي تُغرق سفينة البلد، دون أي رحمة بمن يواجهون أعداء الخارج بصدور عارية، واخر فصول هذه السرقات ما يحصل في البلديات والإدارات، لاسيما تلك “المدعومة” من أعداء الداخل.
عندما صدر قانون الشراء العام، سنة 2021، بُنيَ ليخلق حالة من الشفافية، التخصّص، الاستدامة والنزاهة، وجاء ليضمن إبعاد الفساد عن مؤسسات الدولة وإداراتها، فألزم كل من يريد تنفيذ مشروع معيّن لإحدى وزارات الدولة اللبنانية، بالحصول على إفادة من جهات حدّدها القانون، يُبرز من خلالها خبرة معينة يتحلى بها، وتؤكّد قيامه بمشاريع بقيمة مالية وعملية موازية للمشروع المطلوب تنفيذه.
على الطريقة اللبنانية لتطبيق القوانين، تمّ التعامل مع هذا القانون أيضا، وقد انتشرت فضيحة مدوّية لبلديات كثيرة، تُعطي إفادات تنفيذ المشاريع لطالبيها، من مناصرين وتابعين وحزبيين، دون إرفاقها بطابع مالي، ولا عقد نفقة، ما يجرّدها من قانونيتها، وهذا بالطبع مع ما يترافق من معطيات تؤكد عدم صدقيتها، مثل منح إفادة من بلدية تؤكّد تنفيذ مشروع في المنطقة الخاضعة لنفوذها، بمبلغ مالي يفوق ميزانية البلدية المعنية بعشرات المرّات، ما يجعل من هذه الأرقام مؤشرات فاضحة لما يحصل من “تمريرات” على حساب الناس وأوجاعهم وفقرهم، فإذا كان بعضنا ينظر إلى مجزرة الاسرائيلي التي تودي بحياة العشرات من الناس، وتقشعرّ لها الأبدان، فما بالنا من مجازر الإدارات والبلديات والمتورطين الذين ينسفون بلدا بأكمله بتوقيع ممزوج بالغشّ؟
للوقوف على حقيقة ما يجري وتفنيد الحقائق، تواصلت “الكلمة اونلاين” مع رئيس هيئة الشراء العام الدكتور جان العلية، الذي قدّم من خلال شرحه القانوني، صورة واضحة عن تقاعس المحاسبة في هذا المجال، وعن كيفية اتخاذ الخطوات المناسبة للقيام بالإجراءات اللازمة.
وزارات مثل الاتصالات، الأشغال، الطاقة وغيرها، كلّها تغضّ النظر وتشارك في تمرير هذه الإفادات المزوّرة، فيما تقبع النيابة العامة في ثبات عميق، أما وزارة الداخلية، فهي المسؤولة المباشرة عن هذا الموضوع، ولها تتبع لجنة تأديبية مسؤولة عن محاسبة رؤساء البلديات وأعضاء المجلس البلدي، المستثنين من رقابة التفتيش المركزي.
الخسائر في هذه المشاريع تفوق الخسارة المالية، لأنها تُعرّض الأرواح أيضا للخطر، فالخبرة “المنسوبة” للمُزَوِرين، ضرورية في المشاريع التي يُريدون تنفيذها، ويجب أن يتمتعوا بها بشكل فعلي، من الناحية المالية، كما يقول العليّة، أي أنهم نفذوا مشاريع بنفس القيمة المالية التي يتمّ العمل عليها في المشروع المُقَدَّم عليه، كما أن الخبرة العملية مطلوبة بالشكل نفسه، ودائما بحسب العلية.
أموال الناس وأرواحهم التي تُزهق في الحروب والنزاعات، من فترة لأخرى، يتمّ الاستخفاف بها يوميا بحروب من نوع اخر، والغطاء السياسي الذي شرّع كل المخالفات، هو نفسه الذي يأتي اليوم ليحمي رؤساء بلديات ومسؤولين من المحاسبة، والتقاعس عن المحاسبة يجعل من أموال الناس وحقوقهم “رزق سايب، يعلّم الناس الحرام”، فما بالنا إذا كان هؤلاء الناس يلاحقون الحرام أينما حلّ.
لتفادي خسارات أكبر مما خسرناه، يدعو العليّة الهيئات المسؤولة – التي ندعوها بدورنا لاعتبار هذه المعلومات بمثابة إخبار – للقيام بدورها والتحرّك الفوري، بدءا بديوان المحاسبة الذي يقوم الخبراء فيه بالتأكد من صحة المعلومات المتوافرة حول هذا الموضوع، وبعد التأكد منها تتم إحالة المتورطين إلى النيابة العامة الجزائية، والتي يشرح العلية أن عقوباتها قد تصل إلى السجن.
المُقامرة بأموالنا لم تعد مسموحة، والتمادي في زيادة الخسائر على الشعب الذي سُلبت منه ودائعه في المصارف، وحياته على طرقات الموت، وشبابه على باب العنبر 12 في مرفأ بيروت، وصحته في أدوية مزوّرة، ورزقه في صفقات مشبوهة، وتاريخه في حروب عبثية، ومستقبله في إدارات فاسدة ورؤساء بلديات تمادى إجرامهم إلى أبعد حدود، لن تكون مقبولة بعد اليوم، فلتتحرّك الجهات المعنية للقيام بدورها، ولتأتي الهيئات الرقابية التي – على ما يبدو – لا تنشغل سوى بمراقبة بعض المواقف الشريفة للصحافيين والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، لتقوم بملاحقتهم ومحاسبتهم، فلتستيقظ النيابات العامة من ثباتها، علّ بعضنا يسترجع إيمانه بوجود قضاة شرفاء يحكمون بعدل، فيبقى للمُلكِ أساس، وإلا لن يبقَ لا وطنا يحكمه الطامعون به، ولا قضاءا يتم اللجوء إليه، ولا شعبا تسكرون من دمائه كل يوم.
تقلا صليبا الكلمة اونلاين



