

يتقدّم عامل المال السياسي اليوم إلى واجهة النقاش مع اقتراب الاستحقاق النيابي في زحلة والبقاع الأوسط، في ظلّ مؤشرات على استعداد قوى وشخصيات لاستخدام قدراتها المالية للتأثير في المزاج الانتخابي وتعويض تراجعها الشعبي أو السياسي. غير أنّ اللافت في هذه الدائرة تحديداً أنّ جزءاً واسعاً من الناخبين بدأ ينظر إلى هذا الاستحقاق بوصفه فرصة للخروج من منطق الرشوة الانتخابية والزبائنية، والتصويت على أساس سياسي واضح لا على أساس المنفعة الآنية.

في قضاء زحلة، ثمّة قناعة تتبلور بأنّ الانتخابات المقبلة لن تكون مجرّد منافسة على مقاعد نيابية، بل محطة مفصلية في تاريخ لبنان السياسي، في ظلّ أزمة سيادة وقرار وطني غير مسبوقة. هذا الوعي المستجد يفسّر إلى حدّ بعيد تراجع فعالية المال السياسي مقارنة بدورات سابقة، حيث أظهرت تجارب الانهيار المالي والاقتصادي أنّ حفنة دولارات أو خدمات موسمية لا تحمي الناس من الانهيار ولا تعيد إليهم كرامتهم ولا تؤمّن لهم مستقبلاً.
ويُلاحظ أنّ شريحة واسعة من الناخبين باتت تميّز بين من يستخدم المال لتعويض غياب المشروع السياسي، وبين من يخوض المعركة على أساس برنامج وموقف وطني واضح. هذا التمييز لا يعني اختفاء المال السياسي من المعركة، لكنه يعني أنّ قدرته على قلب النتائج أو شراء الولاءات لم تعد مضمونة كما في السابق، خصوصاً في بيئة مسيحية كانت تاريخياً أكثر حساسية تجاه العناوين السيادية والخيارات الوطنية الكبرى.
وفي هذا السياق، يبرز أيضاً تحوّل ملحوظ داخل البيئة السنّية في قضاء زحلة والبقاع الأوسط. فبعد سنوات من الإحباط والتهميش السياسي وتراجع المرجعيات التقليدية، تتشكّل لدى شريحة واسعة من الناخبين السنّة قناعة بأنّ المشاركة في هذا الاستحقاق يجب أن تكون سياسية بامتياز، لا قائمة على الإغراء المالي أو الخدمات الظرفية. كثيرون منهم يرون أنّ الصوت السنّي، إذا استُخدم ككتلة واعية لا كأصوات متفرّقة تُشترى، يمكن أن يكون بيضة القبّان في معركة مفصلية على هوية التمثيل وخيارات المنطقة الوطنية.
كما أنّ النقاشات الدائرة في الأوساط الزحلية والبقاعية، مسيحية وسنّية على حدّ سواء، تُظهر ميلاً متزايداً إلى اعتبار التصويت السياسي «ملاذاً» في مواجهة كل محاولات الإغراء المالي. فالكثيرون يرون أنّ هذه الانتخابات ستكون فرصة نادرة لاسترداد القرار الوطني من منظومات فرضت خياراتها بالقوة أو بالمال أو بالترهيب، وأنّ أي تساهل مع المال السياسي اليوم يعني عملياً تفويت لحظة تاريخية قد لا تتكرر.
في هذا السياق، لا يمكن فصل موقف الناخبين عن الشعور العام بأنّ البلاد تقف على مفترق طرق: إمّا إعادة إنتاج الطبقة نفسها بالأدوات نفسها، أو كسر الحلقة عبر خيار سياسي واعٍ يضع السيادة والإصلاح وبناء الدولة في سلّم الأولويات. من هنا، يكتسب التصويت في قضاء زحلة بعداً يتجاوز الحسابات المحلية الضيقة، ليصبح جزءاً من معركة أوسع على هوية لبنان وخياراته الاستراتيجية.
في الخلاصة، المال السياسي حاضر في المعركة، لكنّه لم يعد اللاعب الوحيد ولا الورقة الرابحة كما كان. ففي قضاء زحلة، وضمنه البيئة السنّية، يتبلور مزاج انتخابي يرى في هذا الاستحقاق ملاذاً للتصويت السياسي الحرّ، بعيداً عن الإغراءات الآنية، إدراكاً بأنّ ما سيُحسم في صناديق الاقتراع لن يحدّد فقط أسماء النواب المقبلين، بل سيترك أثراً مباشراً على مسار لبنان كله وعلى إمكان استرداد قراره الوطني المفقود.
لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇



