

في واحدة من أخطر قضايا الاتجار بالبشر التي كُشفت مؤخّرًا في بيروت، أحبطت القوى الأمنية صفقةً لبيع فتاة قاصر، مقابل ألف دولار داخل أحد المقاهي القريبة من مستديرة مار مخايل. على طاولة بعيدة تجلس ابنة السادسة عشر تنتظر مصيرًا تجهله، فيما كان زوج والدتها ورجلٌ آخر يتفاوضان سرًّا على ثمنها، قبل أن تُداهم دورية أمنية المكان وتوقف المتورطين بالجرم المشهود.

القضية انتهت بتوقيف زوج الأم “أ.ب” (لبناني) ووالدة الفتاة “س.ط” (سورية) والوسيط “ف.ز” (لبناني)، وفيما نفت الأم التي كانت ترافق ابنتها علمها بصفقة البيع واعتقادها أنّ ما كان يحصل هو اتفاق على تزويج ابنتها، ثبُت تورّط الباقين بقضية الاتجار بالبشر. حكاية تفتح الباب أمام واقع صادم، شبكات ناشطة، تستغلّ الفقر والهشاشة الاجتماعية، وتُحوّل البشر إلى سلعة في سوق سوداء لا تعرف الرحمة.
وفي قضية أخرى لا تقل خطورة، أوقفت الأجهزة الأمنية شبكة تُدير نشاطها تحت ستار “الزواج الشرعي”، فتعقد زيجات مقابل بدل مادي، ليتّضح وجود اتفاق مسبق على تصوير العلاقات الزوجية، ويصار لاحقًا إلى استخدامها في الابتزاز. وقد أُحيل أفراد الشبكة إلى القضاء بجرائم الدعارة والابتزاز والاتجار بالبشر، ومن بينهم “أ.د” الذي كان يستغل نساء في أعمال الدعارة بالتعاون مع امرأتين هما “ف” و”م”.
ارتباطها بشبكات خارجيّة
قد تكون قضية الاتجار بالبشر في لبنان من أخطر القضايا الاجتماعية والجنائية الصامتة. ويؤكد مصدر أمني لـِ “المدن” أنّ عصابات الاتجار بالبشر في لبنان، غالبًا ما تكون مرتبطة بشبكات خارجية، تستدرج فتيات عبر وعود كاذبة بالعمل، قبل إجبارهن على ممارسة الدعارة تحت التهديد أو الاعتداء أو الضرب”. ويشير المصدر إلى أن “بعض الفتيات يُستقدمن من الخارج بصفة “فنانات” أو “عاملات في المنازل”، ثم تُستخدم عقود صورية مع نوادٍ ليلية أو كفيل كغطاء لتشغيلهن”.
وتلاحق الأجهزة الأمنية هذه الشبكات عبر الرصد والمُخبرين السرّيين، وقد أوقفت عشرات الأشخاص في الفترة الأخيرة، إضافة إلى مداهمة وإقفال فنادق ومراكز تدليك وتجميل وشقق سكنية بالشمع الأحمر. هنا يلفت المصدر الى أن “أعمال تلك الشبكات تواكب التطور التكنولوجي ووسائل التواصل ولها امتداد إلكتروني عبر منصات عالمية وقنوات وتطبيقات تعارف”، مشيرًا الى “صعوبة ملاحقة هذا النمط بسبب وجود الخوادم خارج لبنان واستخدام تطبيقات “VPN.”
ثاني أربح تجارة بعد المُخدّرات والسلاح
تاريخيًا، وُثّقت الدعارة وبيع البشر لأغراض الاستغلال الجنسي منذ آلاف السنين في حضارات قديمة، كما شكّلت العبودية أحد أبرز أشكال الاتجار بالبشر. أما اليوم، فقد تحوّلت الظاهرة إلى جريمة منظمة عابرة للحدود تستخدم الخداع والوعود الكاذبة والتهديد والابتزاز لإخضاع الضحايا.
ويُعرَّف الاتجار بالبشر حاليًا كجريمة دولية تشمل الاستغلال الجنسي، العمل القسري، التسوّل القسري وزواج القاصرين، ويُعدّ من أكثر الجرائم ربحًا عالميًا بعد تجارة المخدرات والسلاح.
نظام الكفالة وضعف الرقابة
أقرّ لبنان عام 2011، قانونًا خاصًا لمكافحة الاتجار بالبشر يُجرّم الاستغلال بكافة أشكاله، إلا أن تقارير دولية تشير إلى أن عدد الإدانات لا يزال متواضعًا مقارنة بحجم الانتهاكات.
قبل الحرب الأهلية كانت الدعارة مشرّعة ضمن قوانين محددة، ثم توقفت التراخيص بعد الحرب، غير أن بعض الفنادق والشقق المفروشة تحوّلت لاحقًا إلى مرتع لتسهيلها. ويعزو خبراء ومنظمات حقوقية تفاقم الاتجار بالبشر في لبنان إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها الانهيار الاقتصادي، الفقر المُدقع، هشاشة أوضاع اللاجئين والعمال المهاجرين، ثغرات نظام الكفالة، وضعف الرقابة والموارد المخصصة للحماية..
يُوقّعن عقود دون فهمها
تتنوّع جنسيّات اللواتي يمارسن الدعارة في لبنان، ومنهنّ من يتمّ استحضارهنّ بصورة شرعيّة للعمل في المنازل، ثمّ يتمّ تسليمهنّ إلى عصابات الاتّجار بالبشر بهدف الاستغلال الجنسي، فتُحجز أوراقهنّ الثبوتية، ومنهنّ من يمارسن هذا العمل بملء إرادتهن لغاية الكسب السريع.
وفق دراسة أجراها مكتب الأمم المتحدة المختصّ بالمخدّرات والجريمة الدولية في بيروت، فإنّ عدداً كبيراً جدّاً من ضحايا الاتّجار بالبشر والإجبار على العمل الجنسي في لبنان يأتين من بلادٍ فقيرة، ويوقّعن على عقود عمل مكتوبة باللغة العربية من دون أن يفهمن مضمونها.
أرقام صعبة المنال
وفي هذا الإطار، ترى المحامية موهانا إسحق، رئيسة الشؤون القانونية والمناصرة في قسم مناهضة الاتّجار بالبشر في منظمة “كفى” أن لا أرقام صحيحة حول ضحايا الاتجار بالبشر من أجل الاستغلال الجنسي، فالوصول إلى هذه الفئة من الضحايا صعب جدًا، لأن هذه الجرائم تحصل بسرّية تامّة، وما يُرصد منها لا يعكس الواقع الفعلي.. “فالأرقام التي نستطيع الوصول إليها قليلة جداً ولا تعكس الواقع الموجود، لأنها تكون عادة بعد حصول توقيفات لدى مكتب مكافحة الاتّجار بالبشر وحماية الآداب في مخفر حبيش”.
وتُميّز إسحق بين جناية الاتجار بالبشر، حيث تكون الفتاة ضحية شبكة منظمة تُجبرها على الدعارة، ويُعاقب عليها القانون بالسجن بين 5 و15 سنة (المادّة 586 عقوبات)، وبين جنحة الدعارة الفعلية التي يعاقَب عليها من مارسها أو سهّلها بالسجن حتى ثلاث سنوات (المادّة 523 عقوبات)، من دون أن يلحظ القانون معاقبة الزبون.
لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇



