أخبار محلية

بالصور صور تودّع ابنها المسعف يوسف عساف… ش.هي.د الواجب والإنسانية.

صو – ودعت صور المسعف في الصليب الأحمر اللبناني يوسف عساف، الذي استشهد بغارة إسرائيلية أثناء إجلائه أحد المواطنين من بلدة مجدل زون، واستقبله الأهالي وزملاؤه في الصليب الأحمر عند ميناء الصيادين بالزفة الحزينة والتصفيق.

 

وترأس راعي أبرشية صور للروم الملكيين الكاثوليك المتروبوليت جورج اسكندر قداسا وجنازا لراحة نفسه في كنيسة القديس مار توما الرسول، وعاونه عدد من الآباء، في حضور مفتي صور وجبل عامل الشيخ حسن عبد الله، مسؤول إقليم جبل عامل في حركة “أمل” علي إسماعيل، نائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين ممثلا رئيس البلدية حسن دبوق وربيع قبيسي، مدير قطاع الاسعاف والطوارئ في الصليب الاحمر اللبناني الكسي نعمه، إضافة إلى وفد من “أمل” وممثلين لـ”حزب الله”، أعضاء المجلس البلدي وحشد من أهالي صور والجوار.

 

وبعد صلاة الجنازة، ألقى المتروبوليت اسكندر كلمة قال فيها: “ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه” (يو 15: 13)، بهذه الكلمة الإنجيلية نقف اليوم أمام سر رحيل الشهيد المسعف يوسف ريمون عساف، لا لنعطي الموت معنى ليس له، ولا لنزين الفقد بكلمات كبيرة، بل لنضع حياته في ضوء المحبة التي عاشها. نحن لا نمجد الموت، بل نمجد الحياة حين تعاش بأمانة وبذل. والمسيحي لا يطلب الألم، لكنه إذا صادفه في درب الواجب، يحمله بإيمان وهدوء، ويسلمه للرب الذي يرى خفايا القلوب ويعرف قيمة العطاء الصامت”.

 

أضاف: “نودع اليوم يوسف عساف، ابن حارة صور القديمة، ابن تلك الأزقة التي تعرف أهلها بالاسم، وابن هذه المدينة التي تعلمت أن تخبئ وجعها في قلب الصلاة، وأن تواجه الخوف بكرامة. صور ليست حجارة وتاريخا فقط، ولا مرافئ وآثارا فحسب، بل هي وجوه طيبة، وبيوت متعبة، وقلوب ثابتة، وأناس بسطاء صنعوا صمودها يوما بعد يوم. ويوسف كان واحدا من تلك الوجوه التي لا ترفع صوتها كثيرا، لكنها تزرع الطمأنينة من حولها… وبكلمة بسيطة وواضحة، كان رجلا طيبا، وكان نافعا، وهذه، في زمننا، شهادة كبيرة”.

 

وتابع: “في عمله موظفا في بنك الاعتماد اللبناني، فرع صور، لم يكن يتعامل مع الناس كأرقام وملفات، بل كبشر يحملون تعبهم اليومي وقلقهم وحقوقهم. كان أمينا في التفاصيل الصغيرة، مستقيما في واجبه، هادئا في حضوره، نزيها في تعامله. والرب يقول في الإنجيل: “من كان أمينا في القليل، فهو أمين أيضا في الكثير” (لو 16: 10). ويوسف لم يبحث عن المظاهر، بل حفظ القليل بإخلاص، فعظمه الله في القلوب، لكن قلبه لم يبق محصورا في حدود الوظيفة اليومية، كان أوسع من الجدران والمكاتب. في الدفاع المدني، وفي الإنقاذ البحري، وفي الصليب الأحمر اللبناني، كان حاضرا ساعة الحاجة، لا بدافع التهور، بل بدافع الرحمة. كان يرى المتألم فيقترب، ويرى الجريح فينحني، ويرى الخائف فيحاول أن يطمئنه. وكما قال القديس أوغسطينوس، بمعنى كلماته العميق: إن المحبة الحقة لا تكتفي بالشعور، بل تتحول فعلا يبذل من أجل خير الآخر، وهذا ما فعله يوسف بهدوء وأمانة، من دون ضجيج”.

 

وأردف: “في ساعته الأخيرة، حين توجه مع فريق الصليب الأحمر إلى مجدل زون لانتشال ضحايا الغارة، لم يكن يصنع مجدا لنفسه، ولا كان يبحث عن بطولة تروى عنه، كان فقط يكمل ما اعتاد أن يفعله: أن يذهب حيث يوجد ألم، لكي يحمل شيئا من الرحمة إلى مكان الوجع. ذهب ليحفظ كرامة الضحايا، فأصابه العنف في قلب الخدمة. لم يسقط وهو هارب، بل وهو يخدم، لم يكن خارجا من مسؤوليته، بل كان أمينا لها حتى النهاية”.

 

وقال: “وهنا نصمت قليلا، لأن بعض اللحظات لا تحتاج إلى شرح، بل إلى احترام. لقد مات وهو يخدم، وهذه الحقيقة تضيء وحدها. يوسف لم يمت وهو يبحث عن نفسه، بل وهو يحاول أن ينقذ غيره. وأمام هذا المشهد المؤلم، لا يسعنا إلا أن نرفع الصلاة أيضا من أجل جميع الذين يواصلون، في هذه الأيام القاسية، خدمة الناس تحت الخطر: من مسعفين، وعناصر دفاع مدني، وأطباء، وممرضين، وكل من يسهرون على حياة الآخرين وكرامتهم. هؤلاء لا يطلبون التصفيق، بل يستحقون الاحترام، والدعاء، والحماية. وفي رحيل يوسف، نرى بوضوح كم أن الخدمة الحقيقية قد تكون مكلفة، وكم أن الرحمة في هذا العالم ليست كلاما سهلا، بل أحيانا بذلا حتى آخر النفس”.

 

أضاف: “في هذا الوداع، تلتقي القلوب قبل الكلمات. ووجودنا معا اليوم، من مواقعنا المختلفة، يؤكد أن الألم الصادق يجمع أبناء المدينة الواحدة على الاحترام والتعزية والصلاة. فحين ينزل الوجع على بيت من بيوت صور، تشعر المدينة كلها بأن شيئا انكسر فيها. وحين يسقط رجل مثل يوسف في قلب الخدمة، لا تخسر عائلته وحدها، بل تخسر صور وجها من وجوه رحمتها، وصوتا هادئا من أصوات الخير فيها”.

 

وتابع: “إن صور، وهي تعيش أياما مثقلة بالخوف والقلق والترقب، ترى في رحيل يوسف وجعا مضاعفا، لأنها لا تفقد ابنا من أبنائها فقط، بل تفقد واحدا من الذين جسدوا أجمل ما فيها: شهامة الناس، وصدق الخدمة، والصمت النبيل، واليد الممدودة إلى المتألمين. هذه المدينة الجريحة تعرف اليوم أن واحدا من أبنائها الطيبين قد غاب. ولذلك، فإن حزنها عليه حزن شخصي وصادق، غير أن يوسف لم يكن فقط مسعفا شجاعا وموظفا أمينا، بل كان أيضا زوجا وأبا. وهذه هي القداسة اليومية التي لا تعلن عن نفسها. أن يعود الرجل إلى بيته حاضرا بقلبه، أن يحمل مسؤوليته بصدق، أن يكون سندا لعائلته في الصمت والتعب والوفاء، فذلك جهاد لا يراه كثيرون، لكن الله يراه، والعائلة تشهد له، والأيام تحفظ أثره”.

 

وأردف: “إلى زوجته الغالية جاندارك، إلى أولاده الأحباء، إلى والديه الكريمين ريمون ولودي، إلى شقيقته غنوة، وإلى كل أفراد العائلة، نقول اليوم بقلوب مجروحة: نحن معكم في هذا الألم. لا نملك كلاما يعيد الغائب، ولا عبارات ترفع الثقل سريعا عن القلوب. يسوع نفسه بكى عند قبر لعازر، لأن المحبة لا تخجل من دمعتها. والدمعة ليست ضعفا، بل صلاة، لكننا نؤمن أيضا بأن المحبة التي عاشت بينكم لن يمحوها الموت، وأن الذي أحب بصدق يترك أثرا لا يمحى. سيبقى يوسف في تفاصيل البيت، في الذكريات الصغيرة، في القيم التي زرعها، في طريقته في الكلام، في حضوره، في أمانته، في كل زاوية من زوايا الحياة التي شارككم فيها. وسيبقى أيضا في ذاكرة صور، لأن المدن لا تحفظ فقط أسماء العظماء، بل تحفظ كذلك وجوه الطيبين الذين مروا فيها وتركوا أثر رحمة لا ينسى”.

 

وقال: “إيماننا لا يقف عند حدود القبر، فنحن لا ننكر الوجع، ولا نهرب منه، لكننا نحمله إلى الرجاء. يقول الرسول بولس: “إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت” (رو 14: 8). ونؤمن بأن الذي عاش في المحبة لا يضيع، والذي انحنى على جراح الآخرين لن ينساه الله، والذي تعب في خدمة الإنسان سيجد في رحمة الرب موضعا من نور وسلام. لسنا اليوم أمام نهاية مغلقة، بل أمام سر نضعه بين يدي الله. نحمل وجعنا بصدق، ونرفعه بالصلاة، ونطلب أن يحول الرب هذا الألم إلى عزاء لعائلته، وإلى قوة لرفاقه، وإلى دعوة لنا جميعا لنكون أكثر رحمة، وأكثر أمانة، وأكثر استعدادا للوقوف إلى جانب المتألمين”.

وختم: “أتوجه بالتعزية القلبية إلى عائلته الكريمة ورفاقه في الصليب الأحمر والدفاع المدني والإنقاذ البحري، وزملائه في بنك الاعتماد اللبناني، وكل من عرفه وأحبه، خسارتكم خسارتنا جميعا، ووجعكم وجع صور كلها. يوسف، يا ابن صور، شكرا لأنك كنت إنسانا صالحا حتى النهاية. نصلي أن يحفظ الله صور، وأن يرحم شهداءها، وأن يعضد قلوب أهلها، وأن يمنح هذه المدينة، في أيامها الصعبة، ثباتا لا يتزعزع، ورجاء لا ينطفئ”.

لمتابعة آخر الأخبار

انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇

https://chat.whatsapp.com/FLmJsbiTngC1qHFwH1Npmk?mode=gi_t

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى