المحامي جيمي فرنسيس تأطير الصراع طائفيًا… يخدم “الحزب”

كتب المحامي جيمي فرنسيس
يطرح البعض في الفترة الأخيرة الصراع في لبنان على أساس طائفي، ويجزمون بذلك مستندين إلى الحجج التاريخية وتجارب الماضي، ومستنيرين بما يجري في المنطقة، باعتبار أن الانقسام اللبناني محكوم بالهوية الطائفية.
طبعًا هناك مسألة هويّة.
ولكن، من أعطى نموذج المملكة الهاشميّة للدلالة على تماسكها بسبب وحدة الطائفة فيها، يتغاضى عن نموذج الإمارات العربيّة المتّحدة، التي اختارت نظامًا مركّبًا رغم انتماء شعبها لطائفة واحدة، خشيةً من تصاعد الصراعات بين الإمارات نفسها،
ربط التمدّد والهيمنة الإيرانيّة بالعلويّين والشيعة هو هروب من حقيقة تاريخيّة واضحة، أحد أبرز حلفاء إيران الشاه في لبنان كان الرئيس كميل شمعون، ومعه شريحة واسعة من المسيحيّين، نتيجة تشابه ثقافي ونظرة سياسيّة مشتركة، لا بسبب تقاطع طائفي،
كما أن أصحاب هذا الطرح نفسه يشيرون إلى تحالف الثورة الإيرانيّة ونذكرهم في بدايته حين كان مع الفلسطينيّين وحركات أصوليّة سنّية، وتحديدًا في طرابلس، التي ما زالت شاهدة على ذلك، وبالتالي، الادعاء بأن دعم إيران لـحركة حماس هو مجرّد “قفز فوق الهويّة الطائفيّة” عرضة للاهتزاز، ليس دقيقًا، فإيران لم تستطع أصلًا التخلّي عن هذا التحالف، لأن بنيته قائمة على العداء لإسرائيل واستخدام القضيّة الفلسطينيّة كمرتكز سياسي وعقائدي، لا كخيار طائفي ظرفي.
أما التحالف اللاحق بين العلويّين والشيعة وإيران، ومعهم بعض المسيحيّين في لبنان، فلم يكن نتيجة “هويّة طائفيّة” بقدر ما كان نتيجة ما عُرف تاريخيًا بـ”تحالف الأقليّات”، أي تقاطع مصالح وخيارات سياسيّة في مواجهة محيط أوسع.
وتكمن المفارقة في إدانة من يصرّ على تفسير كل شيء بالهويّة الطائفيّة، حين يعترف، من حيث لا يدري، بأن “التوق المسيحي للغرب” ثابت، أي أنه يعود إلى هويّة عميقة، لكنه يغفل أن هذه الهويّة، في جوهرها، ثقافيّة وحضاريّة وليست دينيّة طائفية.
خطير جداً اعتبار أن الصراع في لبنان طائفي بالدرجة الأولى، لأن هذا التصنيف يفرض تقسيمًا قسريًا على اللبنانيّين،
ففي أي خانة يضع هؤلاء شخصيّات على سبيل المثال لا الحصر كبشير الجميل، سمير جعجع، سامي الجميل، كميل شمعون، والأباتي بولس نعمان (المسيحيون)، إلى جانب رفيق الحريري، فؤاد المخزومي، أشرف ريفي، مصباح الأحدب، وضاح الصادق، وصالح المشنوق (السنة) ومجيد أرسلان، مروان حمادة، وحياة أرسلان (الموحدون الدروز) موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين، حسين الحسيني، لقمان سليم، وكامل مروة وحتى نبيه برّي (الشيعة)؟
وفي المقابل، كيف يمكن تصنيف على سبيل المثال كل من ميشال عون، جبران باسيل، سليمان فرنجية، أنطون سعادة، رندلى جبور، نجاح واكيم، (المسيحيون) وعبد الرحيم مراد، مصطفى حمدان، سامي الخطيب، علي الحاج وسالم زهران (السنة) ووئام وهاب، طلال أرسلان (الموحدون الدروز) وحسن نصر الله، هاشم صفي الدين، نعيم قاسم، محمد رعد، بشرى الخليل، وعلي حجازي (الشيعة)؟
محاولة فرز اللبنانيّين طائفيًا تعني إلحاق كل فرد تلقائيًا بمظلّة من يدّعي تمثيل طائفته، بغضّ النظر عن قناعاته الفعليّة وشخصيته وقيمته الفردية، وهذا بحد ذاته أحد أسباب الهيمنة، لأن الخطاب الطائفي هذا، يثير الخوف والغرائز، ويدفع الناس للانضواء تحت “حماية الزعيم”، حتى لو كانوا أبعد ما يكونون عن خياراته، صحيح أن قوّة “”حزب الله”” تكمن في هيمنته على جزء كبير من بيئته، لكن إضعافه لا يكون بعزل هذه البيئة أو شيطنتها، بل بتحريرها منه، لذلك، فإن فرز اللبنانيّين طائفياً هو أكبر خدمة تُقدَّم له، ولأي منظومة تقوم على تحالف المافيا والميليشيا،
الأخطر أيضاً هو السخرية من “اللبنانويّة” وضرب فكرة الوحدة الوطنيّة، التي دفع ثمنها شهداء كُثُر، وفي مقدّمتهم بشير الجميل ورفيق الحريري وكمال جنبلاط، هؤلاء لم يسقطوا دفاعاً عن طوائفهم، بل عن فكرة لبنان، في مقابل من قاتل لأجل ارتباطات تتجاوز لبنان، في الخلاصة، التصنيف الحقيقي في لبنان ليس طائفيًا، بل يتحدد بين ثقافتين وفكرتين، بين من يؤمن بالدولة وبالثقافة الوطنية، وبين من يلتحق بمحاور خارجية، ومن المهم الإشارة هنا إلى أن جزءًا كبيرًا من “سنّة” لبنان أعادوا النظر في موقفهم من حرب الفلسطينيين على أرضنا، محققين تحوّلاً لافتاً باتجاه تأكيد فكرة لبنان بكامل مساحته البالغة 10452 كلم² ونهائية الكيان، في حين حافظ البعض الآخر على رؤيته السابقة،
بلى، صراعنا ثقافي. وهويّاتنا العميقة تتشكّل وفق خياراتنا الثقافيّة والسياسيّة، لا وفق طوائفنا.
وأن يكون صراعنا ثقافياً لا يعني أننا محكومون به إلى الأبد، لكن الهروب إلى الأمام، وطرح مقاربات تبسيطيّة أو خزعبلات غير قابلة للتطبيق، ليس الطريق للخروج منه.
ربما لم يعد ممكناً جمع النقيضين تحت سقف وطن واحد؛ وقد يكون الحل بولادة لبنان الحر، إلى جانب لبنان التابع… وعندها، يكون الانقسام قد أطاح بأي فرز طائفي.
لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇



