صمت المشاعر بقلم ربيعة بركس

كتبت ربيعة البركس (الباحثة في العلوم الإجتماعيّة)
تحت وطأةِ هذه الأحداث المتسارعة، تتضارب الأفكار والمشاعر وتشكّل ضغطاً كبيراً على الإنسان فتجعله ضائعاً غير قادرٍ على تحديد مشاعره أو على كيفيّة تفسيرها والتعبير عنها.
حين تتزايد الأحزان والأوجاع فوق طاقة الإنسان، تموتُ المشاعر وتغور في أعماق القلوب لتتحوّلَ إلى صرخةٍ مخنوقة لا صوت لها، فيغدو الناس ظلالاً خرساء في ليلٍ دامس. هناك، تحت سقف الوجع، ينطفئ الكلام وتذبل الشفاه، فلا يبقى سوى نظراتٍ شاكية ووجوهٍ مثقلة بالبؤس، فيما تتحوّل سماء الوطن إلى رمادٍ يمطر دماً، وغبارٍ يطمر القلوب كما طُمرت المباني، فتنفطر الأرواح وتتناثر كما تناثرت أشلاء الضحايا الأبرياء.
أمام هذا المشهد الثقيل، يعمّ الحزن والسواد في لبنان. تبكي العيون، ترتجف الأصوات بين الدعاء والخوف، فتغصّ الحناجر بالأسى وتخور الكلمات قبل أن تولد، والدموع الغزيرة التي انهمرت على تلك الخدودٍ الصابرة ما عادت تكفي لإطفاء نار الحقد والظلم.
لكن، هل من يشعر؟ وهل من يوقف هذا النزف المستمر؟
أمام رهبة الموت، لا يبقى سوى الصمت الذي بات أبلغ من أيِّ كلام. غير أنّ الصمت، مهما اشتدّ، ليس خلاصاً. فالمشاعر حين تُكبت، تتحوّل إلى عبءٍ أثقل، وإلى ألمٍ أشدّ قسوة. لذلك، لا بدّ أن تتكلّم القلوب، وأن تخرج الأحاسيس من عتمتها إلى الضوء، لأنّ البوح ليس ضعفاً، بل وعياً يتشكّل، وفهماً يتّسع، وقدرةً على إعادة ترتيب الألم وتحويله إلى طريقٍ نحو الشفاء. فمشاركة الوجع لا تُخفّف منه فحسب، بل تمنح الإنسان بصيرةً أعمق في مواجهة ما يعصف به، وتفتح أمامه سُبلاً قد تصنع فرقاً حقيقياً في عالمٍ يختنق بالألم.
وإذا كان من أطفأوا ضمائرهم قد صمّوا آذانهم عن سماع صوت الظلم، فلا يجوز أن نصمت نحن، بل علينا أن نصرخ فوق وجدانهم لعلّ صوت الحقّ إذا صدح، يوقظ فيهم بقايا إنسانية.
يقف الّلبناني اليوم بين الرغبة في الفعل والعجز عنه، حائراً، يتلقّى الصفعات دون أن يدري كيف يردّها، فيتسلّل إليه الخذلان، ويثقل صدره الاكتئاب، وتتشظّى داخله صراعات قد تدفعه إلى القسوة على الآخر. ومع ذلك، نحن شعبٌ واحد ومصيرنا واحد وبقاؤنا متوقّف على تضامننا.
لبنان في فترة حداد، لكن هذا الحداد ليس أبديّاً وليس استسلاماً، بل صرخةً جماعية، ولغةً تعجز عنها الحروف، وثورةً صامتة على الظلم والحقد والإجرام. هو حدادٌ على أمانٍ ضائع، وعلى وطنٍ يتهاوى عند حافة العالم. بالمقابل، كلّنا ثقة بأنّ لبنان سينهض من جديد، وكلّنا رجاء أنّ ما من شدّة إلّا وستزول.
علينا بالصلاة لهذا الوطن فصلوات القلوب الصادقة وإن خنقتها المخاوف، لا تضيع بل ترتفع لتلامسَ السماء حاملةً رجاءً لا ينكسر.
لعلّ وعسى تنفتح أعينٌ أغلقتها القسوة فتبصر الحقيقة أخيراً. عندها فقط قد يعود النور، وتزهر القلوب رحمةً.
٩/٤/٢٠٢٦
لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇


