تمثال المسيح على قمم القاع: رمز إيمان يتجاوز الجغرافيا إلى تثبيت الحضور والهوية على الحدود

ليس تفصيلًا عابرًا أن يُرفع تمثال السيد المسيح على قمّة تشرف على سهل البقاع وتمتدّ بنظرها نحو الداخل السوري، فالموقع هنا لا يُقرأ كخيار جغرافي فحسب، بل كتموضع بحدّ ذاته، حيث تتحوّل الإطلالة إلى موقف، والارتفاع إلى إعلان غير مباشر عن حضور. من هذه النقطة تحديدًا، حيث تختلط الحدود بالهواجس الأمنية، وتتشابك الجغرافيا مع موازين القوى، يصبح المشهد أقرب إلى إعادة رسم دور القاع في بيئة حدوديّة لطالما حُكمت بمنطق القوّة والنفوذ.
على ارتفاع يقارب 1700 متر، ارتفع تمثال السيد المسيح على جبل الصليب في بلدة القاع، بعلو يتجاوز العشرين مترًا، ليشكّل علامة بصرية واضحة في مشهد مفتوح على البقاع والحدود السورية. هذا الحضور المرتفع لا يكتفي بوظيفته الدينية، بل يتجاوزها إلى الثبات في الأرض. فالنظر نحو الأراضي السورية، التي شكّلت خلال السنوات الماضية مسرحًا مفتوحًا للصراع والتحوّلات الأمنية والعسكرية، يمنح التمثال بعدًا استراتيجيًا واضحًا، كأن القاع تقول من هذا الموقع المرتفع، إنها ليست مجرّد بلدة على هامش الأحداث، بل نقطة ثابتة في قلبها. وفي مقابل مشهد حدودي تهيمن عليه الوقائع العسكرية، يأتي هذا التمثال كفعل تثبيت من نوع آخر: تثبيت مدني رمزي في وجه فائض القوة، وإشارة إلى أن الجغرافيا لا تُحتكر بالسلاح وحده.
ولأن البعد السياسي جزء لا يمكن تجاهله في البقاع الشمالي، حيث الحضور الشعبي لـ “حزب اللّه” يفرض إيقاعه على المشهد العام، وحيث تتداخل بيئات سنية ومسيحية في مساحة جغرافية حساسة، لا يمكن فصل أي خطوة رمزية عن سياق التوازنات. فرفع معلم مسيحي بهذا الحجم وفي هذا الموقع تحديدًا، هو عمليًا إعادة تثبيت لحضور ضمن معادلة غير مكتوبة، تقول إن التوازن لا يقوم فقط على القوّة الشعبية، بل أيضًا على تثبيت الهويات في المكان، إنها رسالة واضحة وإن جاءت بصيغة هادئة: في مقابل ثقل القوّة، هناك ثقل وجود، وفي مقابل النفوذ، هناك جذور.
وفي عمق كلّ ذلك تبقى الذاكرة حاضرة، فالبلدة التي واجهت التفجيرات ووقفت على حافة الانهيار الأمني، تعيد اليوم إنتاج نفسها، من أرض مواجهة إلى أرض شهادة وإيمان، ومعها يتحوّل التمثال إلى أكثر من مزار ديني، بل إلى إعلان بقاء.
وأشار رئيس بلدية القاع بشير مطر في حديث لـ “نداء الوطن” إلى “أن الفكرة راودت الكثير من القاعيين بإقامة رمز ديني على جبل الصليب، وموجود هناك صليب خشب بطول ستة أمتار ودرج عليه كل مراحل درب الصليب يستكمل أيضًا، وبمبادرات شخصية، بمزار سيدة التلة، وهو عبارة عن تمثال كبير لمار الياس مقابل الكنيسة وغيرها من المزارات. أمّا تمثال السيد المسيح، فنفّذه فادي عوض، وهو تعبير عن إرادة سلام ذات بعد ديني تحتاج إلى رعاية كنسية، والبعد الأهم، أننا دعاة سلام ونحن كمسيحيين لا نريد حماية أحد، هذه أرضنا سنبقى فيها بهويتنا، الدولة تحمينا والجيش، ولا أحد يهدّدنا لا من الشرق ولا من الغرب، لا من الداخل ولا من الخارج، نريد أن نعيش سيادتنا وفق القوانين، ونريد أن نتشارك مع أهلنا من كل الطوائف وفق هذه الأفكار.
وأكد: “ليس المقصود توجيه رسالة لأحد، فنحن منفتحون على كل الناس ضمن الثوابت الوطنية والكرامة والحرية. ولكل لبنان أننا من هذه المنطقة الحدودية التي تعرضت لعمليات انتحارية، ولمجزرة نفذها الجيش السوري عام 1978، وعلى مدى تاريخها تتعرض للهجوم، فهي تقول برعاية هذا الرمز الديني إنها تريد سلام الأقوياء والأحرار، لا سلام طالبي الحماية كتخويف التكفير من هنا، أو من يقول إننا نحمي لكم السيدة العذراء من هناك، فنحن نثبت حضورنا وسنبقى ندق أجراسنا ونرفع صوتنا تحت سقف القانون”.
عيسى يحيى نداء الوطن
لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇



