فن

خليل الهراوي… الزعامة التي انطلقت من زحلة إلى لبنان.

أطلق أخيرًا الكاتب سامي بريدي كتاب «قوّة الجذور: آل الهراوي في البقاع»، الذي يتناول فيه مسيرة عائلة الهراوي التي تركت بصمتها في تاريخ لبنان. وقد أشرف على الكتاب الوزير السابق خليل الهراوي، الذي وضع في متناول المؤلِّف مجموعة من المعلومات والمعطيات والوثائق التي أسهمت في الإضاءة على محطات أساسية من تاريخ العائلة ومسيرتها السياسية والوطنية. ويتوزّع الكتاب على أربعة أقسام تتتبّع رحلة آل الهراوي منذ انتقالهم من بسكنتا إلى البقاع، مرورًا باستقرارهم في بعلبك ونيحا، وصولا إلى زحلة. وتنشر «نداء الوطن» هنا الفصل الرابع من الكتاب تحت عنوان «شخص خليل الياس الهراوي».

 

تابع خليل الدور الريادي لعائلته على الصعيدَين الزحلي العائلي والطائفي الماروني. سعى خليل، طيلة مسيرته، إلى ترسيخ مكانته، محافظًا على الكرامة والأنفة والمكانة، بهدف إعلاء شأن طائفته. أسهم في بناء «كنيسة مار إلياس» – حوش الأمراء، وتحسين أوضاعها منذ إنشائها عام 1895، وهي المتاخمة لدارته. بدورها، رعت زوجته هيلانة شؤون هذه الكنيسة ومتطلباتها وحاجياتها حتى وفاتها عام 1967.

وعام 1920، وقّع خليل الهراوي ويوسف بولس الهراوي، عن موارنة منطقة لواء البقاع الإدارية، مذكرة إلى غبطة البطريرك الحويك يشرحان له فيها حرمان الطائفة من بعض المراكز الإدارية، ويطالبان بوجوب ضمّهم تحت رعاية راع واحد في عموم لواء البقاع، تعزيزًا لجمع كلمة الموارنة.

 

وقد جعله تقرّبه من آل جدعون، وجهاء الطائفة المارونية، أكثر فأكثر مشاركة في شؤون الطائفة وهمومها. وبعد وفاة رأس العائلة سعيد جدعون، انتقلت المرجعية المارونية إلى يد خليل الهراوي الذي، إلى جانب عضويته في البلدية، أسهم في اللجان والجمعيات الخيرية الاجتماعية كافة في زحلة، وكان حاضرًا في كل المناسبات السياسية، ممثلا لعائلته وطائفته، فترك بصمات واضحة وفاعلة فيها. ومن الأمثلة على ذلك «الجمعية الخيرية لأبناء المهجرين واللاجئين إلى زحلة»، كما جاء في وثائق «الجمعية الخيرية لطائفة الكلدان الآشوريين» و «الجمعية الخيرية الكاثوليكية» اللتين عملتا على تأمين المأوى والمأكل للاجئين عام 1933.

وكان الهراوي عضوًا مؤسِّسًا في لجنة «مستشفى تل شيحا» سنة 1936، التي أُعيد إحياؤها مع يوسف بك البريدي والمطران أفتيموس يواكيم، إلى جانب عصبة كريمة من الزحليين المقيمين والمغتربين.

 

وخليل الهراوي، الذي ورث واقتنى أملاكًا زراعية في الفيضة وعرجموش، عمل على رفع شأن المزارعين والحفاظ على حقوقهم وتأمين القروض الزراعية لهم من خلال عضويته في مجلس إدارة «المصرف الزراعي» – فرع البقاع، الذي كان المقرض والسند للمزارعين، والذي ترأسه جريس الدبس عام 1923.

لمّا زار البطريرك أنطوان عريضة زحلة مطلع شهر تموز 1938، كان لخليل الهراوي الدور الأساسي في الاستقبالات والاحتفالات التي أحيت زيارته والمآدب التي مُدّت له. وفي طليعتها دعوة خليل الهراوي البطريرك إلى مأدبة عامرة في «فندق قادري الكبير»، وقد غصّت بكرام الزحليين والبقاعيين تحية للضيف الكبير. وعن هذا الحفل، نجتزئ مما كتبه شكري بخاش في جريدته «زحلة الفتاة» في 3 تموز 1938، تحت عنوان «الزيارة البطريركية»: «وقف مدير الفتاة وحيّا البطريرك الذي شاء مباركة نبع البردوني، واستدعى الفتى النبيه إلياس نجل خليل الهراوي، الذي ألقى خطابًا ممتعًا باسم والده صاحب الدعوة. ثم تتابع على الخطابة السيد وديع سليمان فرح، تلاه الأستاذ نجيب غطاس. وكان مسك الختام للسيد البطريرك الذي دعا فيه إلى الألفة والاتحاد. ولا يغرب عن بالنا أن هذه هي أول زيارة لبطريرك ماروني إلى مدينة زحلة، والتي تعتبر ترسيخًا وتوطيدًا ودعمًا للحضور المسيحي في البقاع».

 

وفي 3 آب 1920، شارك بصفته ممثلا عن الموارنة، إلى جانب رئيس بلدية زحلة نجيب غرّة، في حفل «إعلان لبنان الكبير» الذي أعلنه الجنرال غورو من «فندق قادري الكبير».

إلى ذلك، بنى خليل الهراوي علاقات وطيدة مع العائلات المارونية في زحلة والجوار، وبخاصة مع القومندان مخايل أبو طقة، ومع آل شربل وساسين بالمصاهرة، فكان صاحب البيت الذي بقيت أبوابه مشرعة ليلا نهارًا، يدخلها الطارق كما يلجأ إليه المستأوي ليلا ليجد فيها مقصده من حسن وفادة ومأوى ومأكل ومبيت. ولنا من شهادة مخايل أبو عينين في كتابه «صراع الحزم والظلم»، الذي صدر في البرازيل عام 1975، شاهد بأن بيت خليل الهراوي كان مرجعية لكل ملتجئ إليه، خاصة إبان «الحرب العالمية الأولى»، من مقاومي الدولة العثمانية. ويروي أبو عينين خاصة عن حادثة «دنيق العسكر»، حيث عمل على تجريد “العسكر العثملّي” من سلاحه في عين الرهبان، وعاد هاربًا ليلتجئ إلى بيت خليل الهراوي، الذي كان سندًا لمقاومي تعسّف وظلم الدولة العثمانية.

وقد أشرنا سابقًا إلى العلاقة الوطيدة والعائلية التي ربطت خليل الهراوي ببقية الطوائف، وخاصة الطائفة الكاثوليكية. فعرّاب خليل الهراوي بالعماد هو مراد مسلّم، ركيزة عائلته. وقرابته من آل معلوف تمّت من خلال والدته مرتا، فهم أخواله وذوو قرباه. وهكذا تمضي القافلة إلى بقية العائلات الكبيرة من آل بريدي، وجحا، وغرّة، وأبو خاطر، وخاصة مع الصحافي الكبير شكري البخاش، صاحب جريدة «زحلة الفتاة»، ومع آل قادري بالمصاهرة.

 

أما في الجوار الزحلي، فقد بنى خليل الهراوي علاقات مميزة، فكان صلة وصل مع عائلات فاعلة في البقاع الأوسط، وبخاصة مع آل عراجي في برّ الياس وآل قاق في المرج.

هذه العلاقات في الداخل الزحلي والبقاعي، وظّفها خليل الهراوي لتثبيت دور عائلته من جهة، ولتثبيت دور الموارنة وتفاعلهم مع المجتمع الزحلي والبقاعي على الأصعدة كافة، الاجتماعية والسياسية. وإذا تابعنا تقليب صفحات سيرة خليل الهراوي، لوجدنا آثاره على الصعيد السياسي ظاهرة. فالرجل كان وجيه قومه، تغلب عليه صفات الجدية في العمل والمواظبة على تحمّل المسؤولية. وكان ساعيًا إلى إعلاء شأن زحلة ومكانتها إلى جانب طائفته.

 

عُيِّن خليل الهراوي في أول مجلس بلدي مستقل لزحلة بين عامي 1902 و1906. كذلك أُعيد تعيينه، بعد «الحرب العالمية الأولى» ونشأة «لبنان الكبير»، عضوًا في البلدية عام 1924 برئاسة قريبه وديع فرح المعلوف. بعدها، اندمجت بلدية زحلة وبلدية المعلّقة لتصبحا مؤسسة واحدة، فكان الهراوي في عدادها، وقد انضم إليها عن المعلّقة السادة موسى نمّور، وسمعان خزعل، ومخايل الفلفلي، في أيام رئاسة ندرة جحا للبلدية. لم تكن هذه المرة الأولى للقاء خليل الهراوي وموسى نمّور، فالمارونيان الرئيسيان كانا على علاقة صداقة تربطهما مصلحة البقاع ومصلحة الطائفة المارونية. ولمّا أضافت سلطة الانتداب الفرنسي تمثيلا مارونيًا للبقاع في المجالس النيابية، كان خليل الهراوي موافقًا ومؤيِّدًا موسى نمّور لتمثيل موارنة زحلة في المجالس التشريعية. وتواصلت هذه الصداقة إلى يوم فصلت الحسابات والتحالفات السياسية بينهما.

صداقة خليل الهراوي وتأييده لموسى نمّور لم تثنه عن علاقاته، بل عن تحالفه السياسي مع العائلات الكاثوليكية الزحلية التي لطالما مثّلت زحلة في المجالس الإدارية. وكان لهذا التحالف أولوية لدى الهراوي في مواقفه السياسية.

 

في مرحلة الانتداب الفرنسي، ولمّا حصل تباين بين العائلات التقليدية الكاثوليكية الممثِّلة لزحلة والمندوب السامي الفرنسي، سعى هذا الأخير إلى خلق معادلة سياسية جديدة في زحلة ليكون التمثيل الكاثوليكي بوجوه جديدة. ومن أجل ذلك، طلب من صديقه موسى نمّور أن يفكّ تحالفه القديم، وأن يأتي بشخصية كاثوليكية جديدة تمثّل زحلة وتكون مؤيدة للانتداب. فما كان من نمّور، عندئذ، إلا أن جمع الياس طعمه السكاف بالمندوب السامي، ليطلب منه مباركته لتحالف زحليّ جديد بعنوان نمّور – سكاف.

 

هذا كان السبب في ابتعاد خليل الهراوي، حليف العائلات، عن موسى نمّور، ومخاصمة التحالف الجديد. عندها، قرّر خليل أن يكون لآل الهراوي مرشح عن المقعد الماروني النيابي، إلا أن الظرف لم يكن مؤاتيًا له أو لأولاده. لذلك، عندما انبرى قريبه المحامي يوسف بولس الهراوي لمخاصمة موسى نمّور سياسيًا، سارع خليل إلى تشجيعه ودعمه. وقد ظهر هذا الخلاف للعيان في انتخابات «نقابة الكرمة» التي خاضها يوسف الهراوي ضد نمّور وفاز بها. كان هدف خليل الهراوي من دعمه هذا متابعة مسيرة آل الهراوي السياسية وصولا إلى الانتخابات النيابية. هكذا كانت بداية دخول العائلة الهراوية مجتمعة، من زحلة إلى نيحا وبعلبك، إلى العمل السياسي والنيابي، ما جعل أفرادها يخرجون من الطّور المحلي البقاعي إلى الطّور اللبناني الشامل، في مسيرة سياسية زحلية بقاعية لبنانية لا تتوقف ولا تنقطع.

إذا كانت الطائفة والسياسة والعمل الاجتماعي والزراعي من اهتمامات خليل الهراوي، فقد أبقى لعائلته حظًا وافرًا من جهده، ما أعطى أولاده القدرة والقوة على متابعة المسيرة.

لمتابعة آخر الأخبار

انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇

https://chat.whatsapp.com/I0yPy0kl623971LhulIAP3

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى