من لبنان إلى العالمية… ميرفت مطانوس تعيد تعريف التصميم بفلسفة “التصميم بالمشاعر”


لطالما شكّل اللبنانيون نموذجًا للنجاح والتميّز في مختلف أنحاء العالم، إذ استطاعوا، رغم التحديات التي مرّ بها وطنهم، أن يثبتوا حضورهم في مختلف الميادين كالطب، الهندسة، العلوم، الفنون، الأدب، الاقتصاد، ريادة الأعمال… ولم يكن هذا الحضور ثمرة الصدفة، بل نتيجة ثقافة قائمة على الطموح، الاجتهاد، القدرة على الابتكار والتأقلم مع مختلف البيئات، حتى غدا اسم لبنان حاضرًا في كثير من الإنجازات العالمية بفضل كفاءة أبنائه وإبداعاتهم.

وفي زمنٍ لم يعد فيه النجاح حكرًا على تخصصٍ واحد، بل أصبح قائمًا على تكامل الخبرات وتنوّع المهارات، برزت شخصيات لبنانية استطاعت أن تجمع بين أكثر من مجال، لتصنع مسيرة استثنائية تجاوزت حدود الوطن. ومن بين هذه النماذج، تبرز لبنانية نجحت في الجمع بين مجالات عدّة، محوّلة شغفها إلى مشاريع رائدة تركت بصمتها على المستوى العالمي. لتُجسّد هذه التجربة صورة اللبناني الذي لا يكتفي بتحقيق النجاح الشخصي، بل يحمل معه اسم وطنه إلى المحافل الدولية، مؤكدًا أن الإبداع الحقيقي يبدأ بفكرة، ويكبر بالمثابرة، ويُتوّج بالتميز.

إنّها المهندسة اللبنانية ميرفت مطانوس التي تُعدّ مهندسة داخلية، مصممة غرافيكية، كاتبة، رائدة أعمال، ومتحدثة دولية تحظى بتقدير واعتراف على المستوى العالمي. بنت حضورها المهني على فلسفة تصميمية مميزة تُعرف بـ “التصميم بالمشاعر”، وهي مقاربة تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الهوية البصرية والتجربة الحسية.

من خلال هذا النهج، تمزج مطانوس بين الهندسة الداخلية، التصميم الغرافيكي، بناء الهوية التجارية (Branding) وعلم النفس، لتُقدّم رؤية تصميمية قائمة على أن المساحات ليست عناصر جمالية فقط، بل أنظمة تأثير متكاملة تشكّل سلوك الإنسان وإدراكه وانفعالاته.

التصميم كهوية وليس زخرفة
تنطلق فلسفة ميرفت مطانوس من فكرة مركزية مفادها أن التصميم ليس زخرفة سطحية، بل هو لغة هوية وتواصل صامت بين الإنسان والمكان.
في هذا الإطار، لا يُبنى التصميم على الشكل فقط، بل على المعنى العميق الذي يحمله. فكل عنصر – من اللون، إلى الإضاءة، مرورًا بتوزيع الفراغ – يُوظّف بشكل مقصود ليخدم التجربة الإنسانية داخل المكان، ويعزز الإحساس بالراحة والانتماء والوضوح.
هذا التحول المفاهيمي، ينقل التصميم من كونه عملية جمالية إلى عملية بناء تجربة متكاملة.

سيكولوجية التصميم: ما وراء المرئي
تعتمد المهندسة ميرفت في رؤيتها على دمج مبادئ علم النفس داخل العمارة والتصميم الغرافيكي، ضمن ما يمكن وصفه بـ “سيكولوجية التصميم”.
وفق هذا المنظور، لا يتفاعل الإنسان مع المكان بصريًا فقط، بل يتأثر به على مستويات عاطفية وسلوكية غير مرئية. لذلك، يصبح لكل عنصر تصميمي وظيفة نفسية دقيقة:
الألوان تؤثر على المزاج والانطباع العاطفي
الإضاءة تنظم الإحساس بالطاقة والهدوء
المواد تعكس الإحساس بالدفء أو الرسمية
توزيع الفراغ يحدد الحركة والتفاعل الاجتماعي
وبهذا، يتحول التصميم إلى أداة تؤثر في الإدراك قبل الوعي، وفي الشعور قبل التحليل.
تكامل الهندسة الداخلية والتصميم الغرافيكي
تعمل ميرفت مطانوس ضمن منظومة متكاملة تجمع بين الهندسة الداخلية والتصميم الغرافيكي، حيث لا يُفصل بين المساحة والهوية البصرية، بل يتم التعامل معهما كامتداد واحد.
في هذا الإطار، لا يبدأ بناء العلامة التجارية من الشعار فقط، بل من التجربة الكاملة داخل المكان. فكل تفصيل – من المواد، وصولًا إلى الإضاءة، مرورًا بالحركة داخل الفراغ – يساهم في تشكيل الانطباع العام عن الهوية.
أما تصميم الشعارات (Logos)، فيُنظر إليه كاختزال بصري مكثف لهوية كاملة، يجب أن يكون مميزًا في الشكل، عميقًا في الدلالة، وقادرًا على التعبير عبر مختلف السياقات.
التصميم كأداة تأثير إنساني
ترى مطانوس أن التصميم يمتلك قدرة مباشرة على التأثير في جودة الحياة والسلوك الإنساني. فعندما يُصمَّم المكان بوعي سلوكي ونفسي، يمكنه أن:
يعزز الإنتاجية في بيئات العمل
يقلل التوتر في البيئات الصحية
يدعم التعلم في المؤسسات التعليمية
يخلق شعورًا بالراحة والانتماء في البيئات السكنية
وبالتالي، لا يُنظر إلى التصميم كعنصر تجميلي، بل كأداة تدخل فعّالة في تشكيل التجربة اليومية للإنسان.
فلسفة “التصميم بالمشاعر”
في قلب رؤيتها، تضع ميرفت مطانوس فلسفة “التصميم بالمشاعر”، التي تؤكد أن التصميم الحقيقي لا يُقاس بجماله البصري فقط، بل بقدرته على خلق إحساس إنساني عميق.
تقول هذه الفلسفة إن التصميم الناجح هو الذي يُشعر الإنسان بالوضوح والراحة والاتصال بالمكان، دون أن يدرك السبب المباشر وراء هذا الإحساس.
متحدثة دولية وحضور عالمي
إلى جانب عملها التصميمي، تُعد ميرفت مطانوس متحدثة دولية تحظى بتقدير واعتراف على المستوى العالمي، حيث تشارك في منصات وفعاليات دولية.
من خلال هذا الحضور الدولي، تقدم رؤيتها حول التصميم كمنظومة إنسانية متكاملة، إذ تناقش دوره في بناء بيئات أكثر وعيًا وتأثيرًا، مؤكدة أن التصميم ليس مجرد ممارسة تقنية، بل خطاب ثقافي وإنساني قادر على إحداث تغيير حقيقي في طريقة عيش الإنسان وتفاعله مع محيطه.
رؤية مستقبلية
ترى مطانوس أن مستقبل التصميم يتجه نحو مزيد من التكامل بين التخصصات، حيث يتقاطع التصميم مع علم النفس، التكنولوجيا، تجربة المستخدم وبناء الهوية.
في هذا السياق، لم يعد المصمم مجرد منفّذ بصري، بل أصبح باحثًا في السلوك الإنساني ومهندسًا للتجربة.
وهكذا، يمثل عمل المهندسة ميرفت مطانوس نموذجًا معاصرًا لفكر تصميمي يتجاوز الشكل نحو المعنى، ويتعامل مع المكان بوصفه تجربة إنسانية متكاملة.
فالتصميم، في رؤيتها، ليس ما نراه فقط، بل ما نشعر به ونعيشه ونحمله معنا بعد مغادرة المكان.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّها، بالإضافة إلى مسيرتها في الهندسة الداخلية والتصميم الغرافيكي، تُعد أيضًا مؤلّفة، إذ كتبت كتابًا بعنوان “You Are Being Designed”، وهو عمل فكري يطرح منظورًا مختلفًا للعلاقة بين الإنسان والمكان.
في هذا الكتاب، تقدم رؤية تقوم على فكرة محورية مفادها أن الإنسان لا يقوم فقط بتصميم المساحات، بل إن المساحات أيضًا تقوم بتصميم الإنسان. أي أن البيئة المحيطة ليست خلفية محايدة، بل قوة فاعلة تعيد تشكيل السلوك، الإدراك، العادات، وحتى الهوية النفسية على المدى الطويل.
يناقش الكتاب كيف أن الضوء، الفراغ، المواد والتنظيم المكاني لا تؤثر فقط في الراحة الجمالية، بل في طريقة التفكير واتخاذ القرار والشعور اليومي بالذات. وبهذا المعنى، يُصبح التصميم عملية تبادلية مستمرة بين الإنسان والمكان، حيث يؤثر كل منهما في الآخر بشكل متبادل.
أمّا بالنسبة لعنوان الكتاب، فهو يعكس الفكرة الأساسية التي تقوم عليها فلسفتها ألا وهي:
“أنت لا تُصمّم المكان فقط… بل المكان يصممك أيضًا”.
وهكذا، تؤكد مسيرة اللبنانيين في العالم أن النجاح ليس مجرد تجارب فردية متفرقة، بل هو امتدادٌ لحكاية طويلة من الإبداع والإصرار والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. فقد استطاع أبناء لبنان، عبر مختلف الأجيال، أن يثبتوا حضورهم في ميادين متعددة، وأن يتركوا بصماتهم في مجالات دقيقة ومعقّدة، مستندين إلى العلم والموهبة وروح المبادرة، حتى أصبحوا جزءًا فاعلًا في مسيرة التطور والابتكار العالمي.
تبرهن هذه النماذج أن التميّز لا يرتبط بحدود جغرافية أو ظروف محلية، بل بالإرادة الصلبة، والتعلّم المستمر، والإيمان بأن العمل الجاد هو الطريق الحقيقي إلى الإنجاز. كما يعكس تنوّع إسهامات اللبنانيين في مختلف المجالات، قدرتهم على الجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الحفاظ على هويتهم والاندماج في مختلف المجتمعات.
من هنا، تبقى هذه القصص مصدر إلهام للأجيال الصاعدة، ورسالةً تؤكد أن الطموح حين يقترن بالإبداع والمثابرة، قادرٌ على تجاوز الحدود وصناعة أثرٍ يدوم. وما هذا النموذج اللبناني الذي جمع بين الهندسة الداخلية والتصميم الغرافيكي وريادة الأعمال، وبلغ العالمية، إلا دليلٌ جديد على أن أبناء لبنان قادرون على رفع اسم وطنهم عاليًا أينما حلّوا، وترسيخ مكانتهم في سجل الإنجازات العالمية.

لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇
https://chat.whatsapp.com/I0yPy0kl623971LhulIAP3


