نجحت “القوات اللبنانية” في تحويل مطلب ترحيل اللاجئين السوريين من مطلب سياسي وإعلامي، إلى أمر واقع سياسي


وذلك بعد أن لمست أنّ الفريق الممسك بمفاصل السلطة ليس في وارد فعل أي شيء باستثناء الحكي والمزايدات، وبعد أن وجدت عدم جواز الدوران في حلقة مفرغة في ملفّ يشكل خطورة وجودية، فقرّرت التحرُّك في الاتجاهات كلّها.
وقد أدى تحرُّك “القوات اللبنانية” إلى تحريك هذا الملف دوليًّا ووطنيًّا وبلديًّا، وقد استفادت “القوات” من وجود بيئة لبنانية حاضنة ضدّ بقاء اللاجئين السوريين من أجل دفع هذا الملف قُدُمًا باتجاه خطوات عملية، ولكن معظم مكونات هذه البيئة لم تكن في وارد تحويل هذا الملف إلى قضيتها الأولى، فمنها مَن هو حليف للنظام السوري ولا يريد إرباكه في خطوة لا يريدها، ومنها مَن يخشى المواجهة مع المجتمع الدولي ويعمَد إلى مسايرته على حساب بلده، ومنها مَن لا يبحث عمّا يفيد لبنان وشعبه ويعمل فقط للمزايدات الشعبوية، ومنها مَن هو أساسًا بلا موقف.
ومعلوم أنّ أيّ ملفّ يدخل مساحة الانقسام يتعطّل ويتجمّد بسبب الانقسام العمودي، وقد صودف ان ملف اللجوء يحظى بتوافق شامل بشكل أو بآخر، ولكن الحلقة المفقودة كانت في غياب القاطرة التي تتولى قيادة المواجهة بعيدًا من الحسابات الضيقة وأخذًا في الاعتبار فقط مصلحة لبنان واللبنانيين العليا، وعندما تولّت “القوات” دور رأس الحربة وجدت معظم المكونات في تحركها الفرصة المناسبة لوضع هذا الملف الخطير على طريق المعالجة المطلوبة.
ونادرة هي القوى التي لا تربط مواقفها وخطواتها باعتبارات الخشية من تعكير علاقاتها مع دول خارجية او قوى محلية، إنما تتحرّك وفاقًا لاقتناعاتها التي تخدم المصلحة الوطنية العليا و”يلي بيزعل يزعل ويلي بيرضى يرضى”، وتتعامل مع عواصم القرار على قاعدة إقناعها بضرورة دعم توجهاتها الوطنية، وليس السير خلف أجندة هذه الدول في لبنان، وذلك انطلاقًا من مبدأ أنّ الشعب اللبناني أدرى بمصالحه وعلى المجتمع الدولي أن يكون داعمًا له وليس العكس.
ولبنان ليس مشاعًا ولا أرض سائبة تستخدمها الدول لإبعاد عن نفسها موجات اللجوء، او التهرُّب من إيجاد الحلول للأزمات ورميها على كاهل لبنان وشعبه، ولاسيّما أنّ الشعب اللبناني صبر كثيرًا على المجتمع الدولي وأكثر من قدرته على الصبر، ولم يعد بإمكانه الدوران في حلقة المطالب التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
والقرار في نهاية المطاف في مسألة تتعلّق بهوية لبنان ووجوده هي ملك السلطات اللبنانية وليس عند اي دولة في العالم، إنما على دول العالم أن تكون في موقع الداعم لمطالب دولة عضو مؤسِّس في مجلس الأمن، وان تكون في موقع المؤازر لدولة تريد الحفاظ على ما تبقى من استقرار لديها، وبخاصّة أنّ عدم معالجة ملف اللجوء سيؤدي إلى انهيار آخر مساحة للاستقرار، وسيضطر المجتمع الدولي عند ذاك إلى المسارعة لتجنُّب لجوء لبناني وسوري باتجاهه، فهل هذا ما يريده؟
وفي مطلق الحالات ما بدأ من خطوات على الأرض يجب ان يستكمل حتى النهاية، والدينامية الوطنية التي أطلقتها “القوات اللبنانية” لن تتوقّف قبل إنهاء ملف الوجود السوري غير الشرعي بصورة نهائية.



