أخبار محلية

عودة: لسلطة تحافظ على سيادة لبنان وحريته واستقلاله

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة قداساً في كاتدرائية القديس جاورجيوس.

بعد قراءة الإنجيل المقدس ألقى عظة الأحد، وقال في شقّها السياسي: “اليوْم، في ظل الظروف الصعْبة والحروب المحْدقة بنا، قدْ يتساءل المرْء: ما الذي يشْعرني ببهْجة العيد؟ يكْمن فرح الميلاد بالنسبة للْبعْض في الحصول على عطْلةٍ من العمل للسفر وقضاء وقْتٍ مع العائلة والأصْدقاء. الأطْفال ينْتظرون العطْلة المدْرسية والهدايا. البعْض يعيش أجْواءً مليئةً بالسعادة أثْناء تناول الوجبات الفخْمة وتبادل الهدايا. البعْض الآخر قدْ تقْتصر احْتفالاته على اجْتماعٍ حوْل المائدة بسبب ثقل الأوْضاع. المؤكد أن بعْض المؤْمنين سيشاركون في قداس العيد، وفي المائدة الروحية، وفي الإحْتفال مع الأقارب والأصْدقاء. قدْ تكون كل هذه الأمور حسنةً، لكنْ هلْ هذا هو مصْدر الفرح العظيم الذي أعْلنه الملاك للرعاة؟

 

الفرح العظيم هو ميلاد الرب وتجسده بقصْد خلاصنا نحن البشر. نذْكر مثليْن قدْ يساعداننا على فهْم طبيعة هذا الفرح. لنتخيلْ فرح شخْصٍ بقي أسيراً مدةً طويلةً، وعانى الأمريْن على أيْدي آسريه، وفجْأةً يأْتي من يهْزمهمْ ويخْضعهمْ ويمْنحه حريته. هذا فرحنا بميلاد الرب، نحْن الذين كنا عبيداً للخطيئة، أيْ تحْت سلْطة الشيْطان، فتحررْنا بمجيء المخلص. كذلك قدْ نسمع عنْ محْكومٍ بالإعْدام ينْجو في اللحْظة الأخيرة بالرحْمة. هذا تماماً ما فعله المسيح بتجسده، إذْ حررنا من الموْت الأبدي وطهرنا منْ خطايانا. فكما يشْفى المريض على يد الطبيب، هكذا قدْ شفينا من الخطيئة بمجيء المسيح. قال الملاك ليوسف: “ستلد (مرْيم) ابْناً وتدْعو اسْمه يسوع، لأنه يخلص شعْبه منْ خطاياهم” (مت 1: 21). هذا فرحنا الحقيقي، أننا نجوْنا من الموْت، وتحررْنا منْ طغْيان الشيْطان ومنْ خطايانا.

لا يكْتمل هذا الفرح إنْ لمْ يبْذل الإنْسان جهْداً ليعيشه في يوْمياته. لذا تجْدر بنا الإسْتجابة لعرْض الحرية والفداء الذي قدمه المسيح. عليْنا أنْ نقبله بكل كياننا كمخلصٍ شخْصي لنا، وأنْ نظْهر الرغْبة في الإقْتراب منْه وقبْول كلمته واتباع خطواته، وأنْ نطْلب ضياء نوره طوال حياتنا. لا يخلصنا المسيح منْ خطايانا إذا تمسكْنا بها بلا ندمٍ وتوْبةٍ واعْتراف. كيْف نتحرر منْ عبودية الشيْطان إذا واصلْنا التعلق بالأرضيات وطلب المكاسب المادية؟ هذه تماثل “عبادة الأوْثان” (كو ٣: ٥) التي يدينها الله.

 

 

يسْتدْعي عيد الميلاد تغْيير القلْب والعقْل، واقْتلاع كل هوًى وكل رغْبةٍ أنانيةٍ تبْعدنا عن الله. لقد إنْكشف سر الله المتجسد داخل مغارة بيْت لحْم، في المحبة والحرية والتجدد. لقدْ أعْلن لنا جليا أن الله معنا على لسان النبي القائل: “هوذا العذْراء تحْبل وتلد ابْناً ويدْعون اسْمه عمانوئيل الذي تفْسيره الله معنا” (مت 1: 23).

دعْوتنا اليوْم أنْ نسعى إلى القداسة بلا يأْسٍ، إذْ إن المسيح أتى متجسداً منْ نسْلٍ بشري أعْلنه لنا إنجيل اليوْم، وهذا النسْل يحْتوي خطأةً كثيرين تقدسوا وأصْبحوا مثالاً لنا. ليكن العيد الآتي مناسبةً للْتحرر الإرادي من الخطايا والإقْتراب من المسيح.

 

 

 

دعْوتنا في هذه الأيام المباركة إلى عيْش معْنى الميلاد في العمْق، إلى التخلي عن الإرتباطات الأرضية والمصالح الوقْتية منْ أجل نيْل المكافآت السماوية. إن الإنقطاع عنْ شركة القداسة مع الخالق، والإنْفصال عن النعْمة الإلهية المحْيية، هما سبب وجود الشر في العالم. بعْد معْصية آدم قال له الله: “ملْعونةٌ الأرض بسببك” (تك 3: 17)، ومنْذئذٍ دخلتْ البشرية في “ظلْمة الموت وظلاله”. هذا هو واقع التاريخ الإنساني، حيْث ساد منْطق القوة وبقاء الأقوى، وبات الأقوياء يتحكمون بمصائر البشر، ظنا منهم أنهم بالقوة والبطْش يسْتمرون. لكن القوة والظلْم والعناد والحقْد والحروب وكل شرور العالم لمْ تخلص الإنسان منْ عذاباته، ولمْ تمْنع الموْت عنْه، ولا الإنكسار والخيْبة. وحْده النور الحقيقي يخلص الإنسان منْ عبودية الشر والخطيئة، والإنحدار إلى أدنى دركات الضياع والفساد والخطيئة. قال إشعياء النبي: “الشعْب السالك في الظلْمة أبْصر نوراً عظيماً. الجالسون في أرض ظلال الموْت أشْرق عليهم نورٌ” (9: 2). بميلاد المخلص شمْس العدْل قدْ أشْرقتْ، وطريق الخلاص قدْ فتحتْ. فلْنتخل عنْ إنساننا العتيق المجْبول بالخطايا، ونتْبع النور الذي لا يزول. أما في لبنان فلْيتخل الجميع عنْ أهوائهم ورغباتهم ومصالحهم، ويعْملوا بصدْقٍ منْ أجْل خلاص البلد. لا بد أنْ يتواضع الجميع ويعْملوا معاً منْ أجْل الخروج من النفق المظْلم حيْث الفوضى والتقهْقر، إلى سلْطةٍ موْثوقةٍ، قويةٍ، عادلةٍ، تحافظ على سيادة لبنان وحريته واسْتقْلاله، وعلى مصْلحة اللبنانيين وأمْنهم واسْتقْرارهم. يقول بولس الرسول: “لي الحياة هي المسيح، والموْت هو ربحٌ” (في 1: 21) ونحن نقول: الموْت عنْ الأنانية والمصْلحة والاستقواء والتفرد ربْحٌ للْوطن”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى