

في لبنان، بلد سبق كثيرا جيرانه في اعتماد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في شتى الميادين عدا التعليم عن بعد، أصبحنا اليوم نشهد ممارسات تربوية لا تليق بواقعنا الرقمي ولا بنهضتنا العلمية. من هنا لم يعد الحديث عن إلغاء البريفيه مجرد نقاش روتيني، بل هو ارتداد لمشكلة أعمق في النظام التعليمي، أزمة تهدد المستوى الحقيقي للطلاب ومستقبلهم الأكاديمي. فهذه الشهادة ليست مجرد اختبار عابر، بل هي المعيار الأساسي الذي يحدد مدى جاهزية الطالب للانتقال إلى مرحلة أعلى، وهي النقطة التي يُبنى عليها تطوير قدراته، واختيار تخصصه الجامعي وفق كفاءته وليس عامل الصدفة.

من زاوية اخرى، الأمر الأكثر لفتًا للانتباه أنّ هذا النقاش يتزامن مع اليوم العالمي للتعليم الذي يصادف 24 الجاري، ما يضاعف أهمية التساؤل: إذا أُلغيت البريفيه اليوم، كم من مرتبة وجودة تعليمية سيخسرها الطلاب؟ وكم من فرص حقيقية لتطوير مهاراتهم ستُهدر؟ هنا لا نتحدث فقط عن الامتحان نفسه، بل عن الحق الأصيل للطالب في اكتساب معرفة حقيقية ومهارات مناسبة لعصره، في ظل نظام تعليمي يكدّس المعلومات منذ عمر أربع سنوات وحتى السابعة عشرة، من دون أن يُمنح فرصة لتطبيق ما يتعلمه أو تنمية قدرات التفكير النقدي والإبداعي.
قصور جوهري
وفي سياق متابعة “الديار” لمحادثات الخبراء في الساعات الأخيرة تكشّف أنّ واقع التعليم في لبنان يواجه خللا جذريا: مناهج قديمة لا تتناسب وطاقات الطلاب، محتوى معزول عن متطلبات الحياة العملية، وتقييم يركز على الحفظ والتكرار بدل تنمية المؤهلات العليا. كل هذا يجعل النقاش حول إلغاء البريفيه ليس ترفا، بل مسألة تتعلق بمستقبل جيل كامل وبحقه في أن يتعلم بفاعلية ويستحق موقعه في المرحلة التي يرقى إليها.
في المقابل، توافرت معلومات من مصادر تربوية داخل “التربية”، علما بأن الخبر كان يُتداول بين أروقة الوزارة، حسب ما علمت “الديار”، أنّ هناك نية للذهاب نحو إلغاء شهادة البريفيه. ولتقصّي حقيقة الأمر، فتحنا هذا الملف مع الجهات المعنية، ووفق معلوماتنا، هناك مؤشرات قوية تؤكد أنّ اتجاه الإلغاء قائم بالفعل، وما يتبقى هو اختيار اللحظة المناسبة للإعلان عن هذه الصدمة التي قد تغيّر موازين التعليم في البلاد.
تعددت الحجج والحقيقة واحدة!
ومن هذا المنطلق، يقول نقيب المعلّمين في المدارس الخاصّة، نعمة محفوض: “ليس لديّ أيّ معلومات عن قرار إلغاء شهادة البريفيه، ووفق معلوماتي فإنّ معالي الوزيرة ريما كرامي تنتظر قرار مجلس الوزراء، كما تنتظر معرفة ما إذا كانت هناك إمكانات ماديّة تتيح إجراء الامتحانات”.
ويكشف لـ”الديار”: “تترتّب على هذا الاختبار كلفة ماليّة أساسيّة تشمل التصحيح واللوجستيّات وغيرها من النفقات. لذلك، أعتقد أنّه إذا تأمّن التمويل فسيُجرى الامتحان، أمّا إذا لم يتوافر فلن تكون هناك شهادة البريفيه، هذه هي المعطيات المتوافرة لدي”.
اهترأت ولم تعد صالحة
ويوضح: “في ما يتعلّق باليوم العالمي للتعليم، وبالنظر إلى كل الثُغر والإشكاليات والمشكلات التي تأثّرت بها هذه الشهادة، أرى أنّ الموضوع برمّته ليس طبيعيّا في لبنان. برامجنا التعليمية منذ سنة 1996، والتي من المفترض أن تتغيّر كل عامين وفق القانون، يجب أن تتجدّد حاليًا سنويًّا مع تطوّر الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقميّة”.
نسخ جديدة قريبا!
ويشير: “يُقال إنّ المركز التربوي قد أعدّ مناهج جديدة ستُطبَّق العام المقبل، ومن المفترض أن تتضمّن هذه المناهج آلية تقييم للطالب الذي سينتقل من مرحلة إلى أخرى بدلًا من البريفيه. من هنا، إذا طُبِّقت هذه المناهج الجديدة السنة المقبلة، ومن ضمنها آلية تقييم للطالب من المرحلة المتوسطة إلى الثانوية، فحينئذ يمكننا التفكير في إلغاء البريفيه. عدا ذلك، أنا شخصيّا لستُ مع ايقاف هذه الشهادة إلّا بعد إيجاد وسيلة تقييمية لمستوى الطلاب الذين سيرتقون إلى مرحلة متقدمة. من زاوية أخرى، يبدي تساؤله: قد لا يُعدّ الامتحان الحالي أداة تقييمية جيدة في ظل ما يعتريه من عثرات وإشكالات، ومع ذلك يظلّ أفضل من لا شيء”.
ويشدد: “ليس من المقبول أن ينتقل جميع طلاب لبنان في شهادة البريفيه إلى المرحلة الثانوية أو يلتحقوا بالتعليم المهني دون معرفة مستواهم وكيفية وصولهم إلى تلك المرحلة، خصوصا أنّه لا يزال هناك في لبنان “دكاكين تعليمية” في القطاع الخاص. من هنا، نؤكد أهمية إجراء هذا الاستحقاق”.
عمر التلميذ يذهب سدًى!
في سياق متصل، ضجّت مؤخرا وسائل التواصل بالحديث عن أنّ التلميذ يقضي سنوات من عمره في مراحل مختلفة دون أن يكتسب أو يحمل معه شيئا مفيدا. وبالاستناد إلى ذلك، يسأل محفوض: هل المعضلة في الامتحان أم في النظام التعليمي؟ ويجيب: “برأيي، أرى أنّ المشكلة تكمن في هذين الأمرين معا، ذلك لأننا نجري امتحانا واحدا بعد ثلاث أو أربع سنوات، بينما من المنطق أن تكون الامتحانات ضمن وتيرة مستمرة. بمعنى آخر، يجب إجراء أكثر من تقييم للطالب خلال العام، شفهية وكتابيّة، أكثر من مرة، ومن ثم أخذ المعدل العام. أي أنّ شكل الامتحان يجب أن يتغيّر، وكذلك المناهج، التي لا تزال على حالها منذ وضعها في عام 1996، إذ لا يزال الطلاب يحفظون مادة التاريخ عن ظهر قلب”.
ويضيف: “الواقع معقّد ومرتبط بالوضع السياسي للبلاد، وقد شهدنا قبل ساعات كيف قصفت إسرائيل شمال الليطاني. لذلك، إذا لم ننتهِ من الحرب وحصرية السلاح، ولم تمسك الدولة بمرافقها وتتولى زمام الأمور، سيكون من العبث إيجاد الحلول لكل القطاعات، وأولها وأهمها القطاع التربوي”.
فحص أكاديمي “تقديري”!
من جانبه، يوضح رئيس لجنة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي، حسين سعد لـ “الديار”: “من منظور علمي وتربوي، إنّ إلغاء الشهادة من دون تقييم تعليمي مركزي يشكّل خطورة على مستويات عديدة. أولًا، فقدان أداة قياس موحّدة، أي امتحانات البريفيه، التي توفّر بيانات قابلة للمقارنة على صعيد التحصيل العلمي عبر المناطق والمدارس المختلفة. ثانيا، من ناحية التأثير التربوي، فإنّ هذه الامتحانات تشكّل إحدى آليات المساءلة في النظام التعليمي، وإلغاؤها يُضعف القدرة على تقييم فعالية المناهج والمعلمين. ثالثا، الانعكاسات النفسية على الطلاب، إذ إنّ التقييمات المركزية تحفّز الطلاب وتخلق دافعية للتعلّم المنظّم. رابعا، غياب المعايير دون تقويم موحّد يصعّب تحديد درجات التحصيل العلمي المطلوب للطلاب. لذلك، فإنّ إبطال امتحانات الشهادة من دون بديل متكامل يُعدّ قرارا غير تربوي من الناحية العلمية، لا سيما إذا تم في اليوم العالمي للتعليم، الذي يجب أن يتأسس على تحسين جودة التعليم لا على تفكيك آليات التقييم”.
المعوقات في الهيكل والمضمون
وعما إذا كانت الأزمة في امتحانات البريفيه أم في النظام التعليمي ككل، يقول سعد: “تبيّن الأدلة التربوية أنّ المشكلة أعمق من مجرد الامتحان، إذ تتشكّل أولًا عدة إشكاليات في النظام التعليمي الحالي، من ضمنها التكديس المعرفي، حيث غالبا ما تعتمد المناهج على حشو المعلومات دون تنمية مهارات التفكير النقدي أو الإبداعي لدى الطلاب. كما هناك انفصال في المحتوى التعليمي عن المهارات الحياتية واحتياجات سوق العمل. كذلك، هناك تعقيدات أخرى تتمثّل في ضعف التكامل الرأسي، بمعنى افتقاد الترابط بين المراحل التعليمية المختلفة، وأيضا في التقييم أحادي البعد، الذي يستند الى قياس الحفظ والتذكّر بدل تنمية البراعات العليا للتفكير”.
ويشرح: “أما إذا أردنا التوجّه نحو البدائل التربوية المثبتة علميا، فنذهب مباشرة إلى التقييم التكويني المستمر، أي التقييم الذي يرافق عملية التعلّم ويساهم في تحسينها، وإلى التقييم الواقعي، الذي يقوم على قياس القدرة على تطبيق المعرفة في سياق حقيقي”.
يختم: “وأخيرا، يمكن التوجّه إلى البديل الجديد وهو التقييم التكاملي، الذي يجمع بين الاختبارات التقليدية والمشاريع العملية وتقويم الأقران (Peer Assessment). لذلك، أرى أنّه لا يجوز الإلغاء دون بديل، ويجب إجراء إصلاح كامل ومعالجة جذور المشكلة في النظام التعليمي لا في مظاهرها، وتطوير أدوات تقييم متعددة، مع استثمار قدرات المعلمين، أي تمكينهم عبر تطوير أساليب تقييمية متنوعة وفعّالة”.
ندى عبد الرزاق – “الديار”
لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇



