بين التعليم عن بُعد والتعليم الحضوري: أين العدالة التربوية في لبنان؟


كتبت الباحثة في العلوم التربوية وأستاذة تعليم ثانوي غادة حرب.
شكّل التعليم في زمن الحروب ضرورة إنسانية وتربوية لا تقل أهمية عن الحاجات الأساسية الأخرى، إذ يوفّر للأطفال مساحة من الاستقرار النفسي والاجتماعي في ظل الفوضى والقلق اللذين تفرضهما النزاعات. فالمدرسة لا تنقل المعرفة فحسب، بل تحافظ أيضًا على الروابط الاجتماعية وعلى شعور المتعلّم بالاستمرارية والانتماء. وفي لبنان، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع تداعيات الحروب وعدم الاستقرار، بات الحق في التعليم مهدّدًا لدى فئات واسعة من الأطفال بسبب الفقر والنزوح وتعطّل المؤسسات التربوية.
وقد زاد من تعقيد المشهد اعتماد وزارة التربية في بعض الفترات على التعليم عن بُعد كحل اضطراري لضمان استمرارية العام الدراسي، في حين استطاعت بعض المدارس الخاصة متابعة التعليم الحضوري. هذا التباين أظهر بوضوح حجم الفجوة التربوية بين المتعلمين، خصوصًا أن التعليم عن بُعد يفترض توفر شروط تقنية ومادية لا تتوافر لجميع العائلات، مثل الإنترنت المستقر والأجهزة الإلكترونية والبيئة المنزلية المناسبة للتعلّم.
من هنا يبرز سؤال العدالة التربوية بوضوح: كيف يمكن الحديث عن تكافؤ في الفرص التعليمية فيما يعيش الطلاب تجربتين تعليميتين مختلفتين في الظروف نفسها؟ إن التعليم العادل لا يقتصر على استمرار الدروس، بل يتطلب سياسات تضمن ظروف تعلم متقاربة لجميع الطلاب، وتحمي المدرسة الرسمية من التهميش، وتحدّ من اتساع الفوارق بين المتعلمين. فالحفاظ على استمرارية التعليم في لبنان اليوم لا يشكّل فقط ضرورة تربوية، بل هو شرط أساسي لحماية المجتمع ومنع ضياع جيل كامل تحت وطأة الحرب والأزمات.
قد تنتهي الحروب يومًا، لكن خسارة جيلٍ حُرم من تعليم عادل قد تمتد آثارها لعقود.
لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇



