بالخاص : ثقافة الحياة أقوى من ثقافة الموت… وكرسي بيروت أكبر من سخرية المنتقدين!


خاص freedom news
في بلدٍ أثقلته الأزمات، وتناوبت عليه الحروب والانهيارات، يصبح التمسّك بالحياة بحدّ ذاته موقفًا، وتصبح الثقافة والفن والجمال أكثر من مجرّد تفاصيل عابرة. من هنا، لا يمكن اختزال افتتاح الكرسي الفني على واجهة عين المريسة في بيروت بمجرّد كرسي، ولا يمكن اختصار رمزيته بسيل من التعليقات الساخرة التي رافقت الحدث.
نعم، افتتحت الدولة كرسيًا فنيًا بحضور السيدة الأولى نعمت عون وعدد من الوزراء والنواب والمسؤولين. وما المشكلة في ذلك؟ هل المطلوب أن تتوقف الحياة في لبنان إلى حين انتهاء أزماته؟ وهل على بيروت أن تتخلّى عن جمالها وثقافتها وحضورها، لأن البلد يواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية؟
إنّ بناء الدولة لا يقتصر على معالجة الأزمات، على أهميتها وأولويتها، بل يشمل أيضًا الحفاظ على هوية المدن، وتطوير فضاءاتها العامة، وتشجيع الفن، وخلق معالم تستقطب الزوار وتعيد إلى العاصمة شيئًا من بريقها. فالبلدان لا تنهض بالاقتصاد وحده، ولا تُبنى الأوطان بالاعتراض الدائم على كل مبادرة، بل تحتاج أيضًا إلى الثقافة والجمال والأمل.
والكرسي الذي استلهم تجربة فنية فرنسية، وحمل إلى بيروت رسالة ثقافية تتجاوز حدود المكان، يشكّل فرصة لإبراز وجه آخر للبنان: بلدٌ لا يريد أن يُعرَف بالحروب والانهيارات فقط، بل يريد أن يحافظ على حضوره الثقافي، وعلى قدرته على استقبال الحياة رغم كل شيء.
أما تحويل المناسبة إلى مادة للسخرية، وكأنّ مجرد افتتاح معلم فني هو خطيئة وطنية، فلا يقدّم حلًا لأزمة، ولا يعيد مالًا منهوبًا، ولا يوقف حربًا. من حق اللبنانيين أن يسألوا عن المال العام، وأن يطالبوا بالشفافية والمحاسبة، وأن ينتقدوا أي تقصير. لكنّ النقد المسؤول شيء، والاستهزاء بكل مبادرة لا تتعارض مع واجبات الدولة شيء آخر تمامًا.
ليس المطلوب أن نختار بين معالجة الأزمات والحفاظ على الحياة الثقافية؛ المطلوب أن تقوم الدولة بالأمرين معًا. ومن حق الناس أن يحاسبوا المسؤولين على ملفاتهم الكبرى، لكن ليس من المنطق أن يتحوّل كل عمل ثقافي أو جمالي إلى تهمة، لمجرّد أنّ لبنان لم يتعافَ بعد.
**نحن نريد دولةً تحارب الفساد، وتحمي الناس، وتعيد بناء الاقتصاد، وفي الوقت نفسه تفتح نافذة للأمل، وتحافظ على الفن والجمال والحياة. نريد بيروت التي تصمد وتنهض وتبدع، لا بيروت التي نستسلم فيها لليأس ونحوّل كل محاولة للنهوض إلى نكتة.**
فالفارق كبير بين من يرى في الكرسي مجرّد مادة للسخرية، ومن يراه رمزًا لمحاولة إبقاء بيروت مدينةً نابضة بالحياة، لا مدينةً تنتظر انتهاء أزماتها كي تتنفّس.
**ثقافتنا هي ثقافة الحياة، لا الاستسلام للموت. نريد أن نعيش، وأن نبني، وأن نبدع، وأن نحاسب في الوقت نفسه. فالأوطان لا تنهض بالسخرية من كل خطوة، بل بالنقد الذي يُصلح، والعمل الذي يبني، والإرادة التي ترفض أن يكون الخراب قدرًا دائمًا.**
قد يكون الكرسي قطعة فنية، لكنّ الرسالة التي نريدها أكبر من حجمه: لبنان ليس مضطرًا إلى الاختيار بين مواجهة أزماته والحفاظ على الحياة. يستطيع أن يفعل الأمرين معًا، وهذا تحديدًا ما يستحق أن ندافع عنه.
لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇
https://chat.whatsapp.com/Lc1Y7CJMpWiJuDrpu7690X


