أنطون صحناوي في ذكرى الهولوكوست بواشنطن إلى جانب مورغان أورتاغوس: خطوة سياسية تكسر محظورات المقاطعة وتفتح نقاشًا حول موقع لبنان ودوره في العالم

لم يكن ظهور أنطون صحناوي في مناسبة إحياء ذكرى الهولوكوست في الولايات المتحدة إلى جانب مورغن أورتيغاس حدثًا بروتوكوليًا عابرًا يمكن وضعه في إطار المجاملات الدبلوماسية أو الحضور الرمزي في مناسبة دولية. ما جرى هناك كان فعلًا سياسيًا بامتياز، خطوة مقصودة في توقيتها ودلالاتها، لأنها لامست أحد أكثر الأسوار صلابة في الحياة السياسية اللبنانية: جدار الخوف الذي شيّدته لعقود منظومة كاملة من القوانين والمحظورات والأيديولوجيات التي صادرت حق اللبنانيين في الانفتاح الطبيعي على العالم، وفرضت عليهم تعريفًا قسريًا لموقعهم في التاريخ والمنطقة.
هذه ليست مسألة شكلية ولا تفصيلًا ثقافيًا ثانويًا. إنها مواجهة مباشرة مع عقلية حكمت لبنان طويلًا تحت عناوين المقاطعة والصراع المفتوح والدور الوظيفي المفروض على البلد خارج إرادة دولته ومجتمعه. فمنذ عقود، جرى تحويل التشريعات المرتبطة بالمقاطعة من أدوات سياسية ظرفية إلى منظومة ضبط ثقافي وفكري، تُستخدم لإخضاع المجتمع اللبناني لمنطق العزل الإجباري، وتُمنع من خلالها أي محاولة لإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كجزء من العالم لا كجزء من محور مغلق يعيش على سرديات الحرب الدائمة.
في هذا السياق تحديدًا تكتسب خطوة صحناوي معناها الحقيقي. فهي ليست خروجًا على تقليد اجتماعي، بل كسرًا صريحًا لإرث سياسي ثقيل صنعته أنظمة قومية شمولية ثم ورثته لاحقًا منظومات الإسلام السياسي المسلحة، وجرى عبره إعادة تشكيل الوعي اللبناني على قاعدة العداء بدل الشراكة، والانغلاق بدل الانفتاح، والتبعية لمحاور خارجية بدل الانتماء إلى الدولة. تحت هذه المنظومة، لم يعد لبنان بلدًا يقرر موقعه بنفسه، بل ساحة تُفرض عليها تعريفات جاهزة لهويتها وعلاقاتها ومصالحها.
إن المشاركة في إحياء ذكرى الهولوكوست ليست موقفًا سياسيًا من نزاع راهن، بل موقف أخلاقي من ذاكرة إنسانية كبرى، ومن رفض الإبادة والكراهية بوصفهما تهديدًا دائمًا للإنسانية جمعاء. لكن تحويل هذه المسألة إلى منطقة محرّمة داخل الوعي اللبناني لم يكن تعبيرًا عن سيادة وطنية، بل نتيجة مباشرة لعقود من غسل الأدمغة الذي مارسته أنظمة البعث والتنظيمات العقائدية العابرة للحدود، ثم استكملته لاحقًا منظومة “وحدة الساحات” التي سعت إلى تحويل لبنان من دولة إلى وظيفة ضمن مشروع إقليمي لا علاقة له بمصالح اللبنانيين ولا بتاريخهم ولا بدورهم.
وهنا تكمن الجرأة الحقيقية في خطوة صحناوي. فهي لم تكتفِ بكسر حاجز رمزي، بل أعادت فتح نقاش مؤجل منذ سنوات طويلة حول طبيعة القوانين التي ما تزال تتحكم بحياة اللبنانيين تحت عنوان المقاطعة، فيما تحولت في الواقع إلى أدوات من أدوات الدولة العميقة التي تمنع لبنان من استعادة موقعه الطبيعي في النظام الدولي. هذه القوانين لم تحمِ لبنان يومًا، ولم تسترجع له أرضًا، ولم تصنع له توازنًا، بل ساهمت في عزله وإبقائه رهينة سرديات أيديولوجية انتهت صلاحيتها في معظم العالم العربي لكنها ما تزال تحكم جزءًا من مؤسساته ووعيه السياسي.
لقد آن الأوان لكسر هذه الحلقة المغلقة. آن الأوان للخروج من زمن المحظورات الذي فُرض على اللبنانيين باسم قضايا كبرى استُخدمت عمليًا لتبرير مصادرة قرارهم الوطني وإبقائهم داخل منظومة خوف دائم من العالم. وما قام به أنطون صحناوي لا يمكن قراءته كخطوة فردية معزولة، بل كإشارة إلى بداية تحوّل أعمق، تحوّل يقول بوضوح إن لبنان ليس محكومًا بالبقاء أسيرًا لمنظومة المقاطعة العقائدية ولا لمنطق العداء الإجباري ولا للحدود الذهنية التي رسمتها له أنظمة انهارت في محيطه لكنها ما تزال تحاول الاستمرار داخله.
هذه الخطوة، في معناها السياسي الأوسع، ليست فقط كسرًا لمحظور قديم، بل إعلانًا بأن لبنان قادر على إعادة تعريف نفسه خارج السرديات التي كبّلته طويلًا، وأن زمن الدولة العميقة التي حكمته عبر قوانين العزل والخوف بدأ يفقد قدرته على الاستمرار. إنها لحظة تقول إن لبنان يستطيع أن يعود إلى العالم، لا بوصفه ساحة صراع، بل بوصفه دولة تريد أن تستعيد موقعها الطبيعي في التاريخ.
لمتابعة آخر الأخبار
انضم الى freedom news عبر الواتساب على الرابط التالي👇
https://chat.whatsapp.com/KAGPb0TWBEVGadSwzBngA7?mode=gi_t
المصدر : Transparency News



